النويري
33
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولما كان في يوم الاثنين رابع شهر رمضان جرّد السلطان الأمير سيف الدين سلَّار ، والأمير عز الدين أيبك الخزندار ، وغيرهم من العساكر يقفّون آثارهم . ثم ركب السلطان في يوم الاثنين من مكان الوقعة وبات بالكسوة ودخل إلى دمشق في بكرة نهار الثلاثاء خامس الشهر ، هو والخليفة ، ونزل بالقصر الأبلق [ 1 ] ، ثم بالقلعة ، ونزل الخليفة بالتّربة الناصرية [ 2 ] ، وأقام السلطان بدمشق إلى ثاني شوّال ، ورحل من دمشق في يوم الثلاثاء الثالث من شوال ووصل إلى القاهرة ، ودخل في الثالث والعشرين منه ، وشقّ المدينة ، ونزل بالمدرسة المنصورية ؛ لزيارة قبر والده السلطان الملك المنصور ، ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل ، واحتفل الناس لمقدمه احتفالا عظيما ، وزيّنت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى ، واستمرت الزينة بها بعد وصول الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح بكتاب البشارة ، في يوم الأحد عاشر شهر رمضان ، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيّام . وقد ذكر الناس هذه الغزوة نظما ونثرا ، ووقفت ممّا عمل فيها على أشياء كثيرة ، وقد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم والنثر ، فكان ممن عمل في ذلك القاضي الرئيس الفاضل علاء الدين علي بن عبد الظاهر [ 3 ] صنّف في خبر هذه الوقعة جزءا سماه الرّوض الزاهر في غزوة الملك النّاصر [ 4 ] ابتدأه بأن قال : الحمد للَّه الذي أيّد الدين المحمدي بناصره ، وحمى حماه بمن مضى هو وسلفه بأداء فرض الجهاد في أوّل الزمان وآخره ، وجعل من الذرّيّة المنصورية من يجاهد في اللَّه حقّ جهاده ، ويسهر في سبيل اللَّه فيمنع طرف السيف أن يغفى [ 5 ] في إغماده ، ويقدم يوم الوغى والموت من بعوثه للعدى
--> [ 1 ] القصر الأبلق : هو قصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى أنشأه بظاهر غربى دمشق بين المبدأتين الأخضريين ، وسمى بذلك لأن بناءه كان بحجارة مختلفة الألوان . وأنظر البداية والنهاية 13 : 274 ، والدارس في تاريخ المدارس 1 : 350 . [ 2 ] التربة الناصرية : أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن غازي بن أيوب بجبل قاسيون على نهر يزيد وبجوارها خانقاه له أيضا ( الدارس في تاريخ المدارس 2 : 178 . [ 3 ] هو علاء الدين علي بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الظاهر ، توفى بمصر سنة 717 ه ( ذيول العبر ص 94 ، الدرر الكامنة 3 : 109 ، حسن المحاضرة 1 : 571 ، شذرات الذهب 6 : 246 . [ 4 ] هذا الجزء ورد بنصه في ملحقات السلوك 1 : 1027 ملحق 16 ، وقد أشار الدكتور زيادة إلى نقله من نهاية الأرب للنويرى . [ 5 ] يغطى : من أغفى بمعنى أخذه النوم أو النعاس ( القاموس المحيط ) .